حوار مع الكاتب المغربي المبدع ‘المصطفى كليتي’ من توقيع الدكتورة ‘فاطمة الديبي’

اجرى الحوار معه الدكتورة فاطمة الديبي

إن الثقافة ليست فلكلورا أو فرجة ، بل هي الامتداد الحضاري الذي يستشرف المستقبل ، وماء الإبداع الزلال الذي يتقطر بمطر الأمل والانفتاح على الآفاق البعيدة…بكلامكم ارحب بكم استاذ المصطفى كليتي و أحب أن أعبر عن سعادتي وأنتم اول شخصية نحاورها في فقرة (حوارات ثقافية) .فمرحبا وأهلا وسهلا بكم مرة اخرى

سؤالي الأول هو: من يكون المصطفى كليتي?
من أكون والله أعجز عن الجواب ، أنا إنسان جد بسيط ، أنتمي لأسرة يسعى الأب فيها لكسب قوت يومه كحرفي في الخيام والجلابيب والأفرشة وافتخر بالإنتماء لريحة الأرض ، لم أولد وملعقة ذهب في فمي ، أنا الأوسط في أسرة بعشرة أولاد ثلاث بنات وسبعة ذكور ، كنا ننام في سطر واحد ، ونتبادل الحكايات. فبلدتي سوق أربعاء الغرب مكونة من قبيلتين عربيتين بني سوفيان وبني مالك متجدرتين في التاريخ ربما عصفت بهما الفتوحات لغرب بلاد المغرب الغني بأراضيه الزراعية الخصبة وسهله المعطاء حيث تسرح المواشي بحثا عن الكلأ والرعي
. طفولتي كانت غنية بالحكي والأحلام والمغامرات مع شغف كبير بالإستماع للإذاعات العربية البيبسي وصوت العرب وإذاعة طنجة وإذاعة الرباط التي كنت اضغط على مكبس النور وأنا أستمع لمسلسل ألف ليلة وليلة أو مغامرات سيف دي يزن ، مع تعلق كبير بالقراءة ولاسيما مصطفى لطفى المنفلوطي وجبران خليل جبران وسعد العريا ن والأبراشي وصولا بعد حين لمحمد عبد الحليم عبد الله وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي انتهاء بنجيب محفوظ حيث ستبدأ قراءات مختلفة تخللتها قراءات مضللة ومسببة للعمى الإديولوجي قبل أن يصحح الإنفتاح على شهوة السؤال الفلسفي المسار
افتتنت بالمسرح فكتبت ومثلت وانشددت من جهة أخرى للسينما ، فكانت في البلدة أربعاء الغرب قاعة يتيمة :” سينما النهضة”
المتنفس الوحيد للتسلية بالإضافة إلى السوق الأسبوعي حيث كنا نلتف عند الحكواتيين والبهلوانيين
. لم يأخذ خط تمدرسي خطا مستقيما وسرعان ما انجدبت للتدريس ولم أكن محظوظا لكي التحق بمعهد الصحافة , رغم أني صحفي بالفطرة من تسويد جدار الدرب بالفحم ألا سبورة الفصل الإعلامية وقد كنت أبرز المحررين ، كما كتبت في الصحافة الوطنية وأنا في الطور الإعدادي ، مما لم يكن يصدقه بعض أساتذتي .كما نشطت في الصحافة الجهوية وحلمت يوما بأن أكون مذيعا لأن تموجات صوتي وقدرتي على القراءة وكما توهمت على الأقل جعلتني أتمرت كثيرا أمام المرآة أو في المسجل في وقت لاحق . لكن عالم تدريس امتص جهدي لثلاثة عقود ونيف وكنت مدرسا مجتهدا ومنشطا ومهووس بقضايا التربية والتكوين ولما تقاعدت اكتفت الإدارة بنصف كلمة وكلمة شكر روتينية ممجوجة لا تليق بالعرق والماء المسكوب ، وأجد كل العزاء في أحضان تلميذاتي وتلاميذي الذين يتذكرون وقائع الفصل بحنين نوستلجي . كان تعب التعليم على حساب رغبتي في الكتابة التي أعتبرها أجمل وأبهى ملاذ ، وأجد نفسي – الآن – في حاجة لإعادة ترتيب الكثير من الأشياء فقراءات كانت مستعجلة لمباريات مهنية أو امتحان فالحاجة عندي للإنصات للنصوص العميقة وللبحث والدراسة والقراءة بلغات مختلفة وإدراك فنون ومعارف متنوعة ، فاالعالم نص مفتوح نحتاج في كل مرة لإعادة اكتشافه

س 2 هل كان المصطفى كليتي الطفل يحلم بأن يكون كاتبا؟
ج لم أجد في الأسرة مكتبة أو إسوة أحتدي بها ، فكنت ألوذ للقراءة ، ففي دكان أب كان السيد أحمد بلكبير صديق الوالد متعهد صحف ، فكنت في البداية أعبث بالمرجعات ثم في بعض الأحيان أوزعها على زبناء معينيين ومن ثمت انتقلت إلى بيعها في محطة المسافرين وكان لي في كل عدد كسب ريال أشتري بكسبي المتواضع كتابا قديما أو أقترضه ، كان الحرف المطبوع يشد حواسي ، فكتبت وسودت وراسلت حين كان ركن التعارف والهوايات ، لعبة مكتبة السيد أصوان ومكتبة ثانوية سيدي عيسى والقائم عليها الأستاذ البكوري وأستاذ اللغة العربية عبد السلام دمير الذي كان يشجعني ويفتخر بكتباتي البكر وباسمي المنشور على أعمدة الصحف في الصفحات الأدبية ، كنت مصرا دوما وأبدا على أني خلقت لأكون كاتبا وبأن الكتابة أقوى وأجمل وأمتع شيء عندي في الوجود

س 3) هل هناك قواعد لكتابة القصة القصيرة جدا ؟
ج ) القصة القصيرة جدا ليست لها قواعد معينة وإن كانت حسب زعمي مكونة رغم قصرها من بنيات تركيبة تلاث
أ مدخل ملفت للدهشة والاثارة
ب بؤرة درامية مكتنزة بأكثر من احتمال
ج قفلة تصدم أفق انتظار المتلقي لأنها تحتفر وجودها في مناطق ابداعية بكر غير مطروقة أو مسكوكة

س 4) أكد الناقد جميل حمداوي أن القصة القصيرة جدا هي مستقبل السرديات بامتياز إلى أي حد تتفقون مع هذا الرأي؟
ج ) مع رأي الصديق جميل حمداوي بأن القصة القصيرة جدا فن السرديات المستقبلي ، فالعصر عصر إيقاع السرعة الخاطفة كالومض ، ثم أنه النص القصير جدا يتساوق مع الإميل والإسميس وغيرهما من الرسائل القصيرة ، حقا لكل زمن جنس أدبي يتساوق مع متطلباته ، فكلما صغر وقصر النص يكون كتلك الماسة الثاوية في أعماق البحار، فهل من مبحر

س 5) لما يعزى غياب نصوص الأدب المغربي، سواء منه الرواية أو القصة القصيرة أو القصيرة جدا عن الأعمال السينمائية أو التلفزيونية المغربية، ؟ من وجهة نظركم؟؟؟
ج ) أحببت سؤالك الأستاذة الكريمة فاطمة ويعد شاغلا من شواغلي سواء في فرع كتاب المغرب فرع القنيطرة أو في النادي السينمائي وهو موضوع ندوة نعتزم تنظيمها حول العلاقة الممكنة بين السرد الروائي والسرد االسينمائي على أساس أن تتخلله ورشة .
يعزو غياب مقاربة السرديات المغربية فنيا ، إلى عدم قراءة المخرجين للنصوص المغربية ، بل منهم من يقطع بأن جل النصوص غير مطاوعة للصياغة السينمائية ، بدعوى إغراقها في الذاتيات ولا تكتب كتابة مبنية على الصورة .
الموضوع مهم جدا فهناك تقصير بين الطرفين كتابا ومخرجين ولعل تكثيف مناسبات الحوار والتواصل والموائد العلمية المتخصصة بله حتى الاقامات المتخصصة كل هدا يمكن أن يجسر هده العلاقة الشبه مقطوعة .

س 6 ) اذا اردنا ان نعرف القصة القصيرة سنقول أنها ليست حكاية رمزية، ، و ليست حكاية تسرد حدثا بصورة خالية من الابداع ، و ليست مشهدا هزليا ، وليست مجرد قصة قصيرة تم اختزالها وتقصيرها ..إنها شكل في حد ذاته…ان طلبنا منكم أن تصفوا لنا القصة مادا تقولون لنا؟
ج )القصة القصيرة عسيرة المأخذ ، فكتابة قصة قصيرة مشقة كبرى لا يدركها إلا من يكابد تضاريسها الوعرة ، قد تحرم كاتبها من هدوئه الداخلي ومن راحة نومه فلن يستقر حاله حتى يضع اللبنة الآخيرة عفوا الكلمة الآخيرة ، فهي بناء يتطلب هندسة جيدة وحذاقة ، بيد أن استواء النص بين يدي مبدعه يشعره بالزهو والفرح الداخلي كأنها أول ولادة وآخر ولادة في آن ، لكن سرعان ماينسيه العشق تباريح الولادة ويعاود الكرة من جديد . لكل جنس أدبي عشاقه ومريدوه فمعدة الجمهور القاريء في واقعنا تهضم ثمرات المطابع سواء شعرا أو رواية أو دراسة أم قصة قصيرة وإن كانت الميول والأذواق يستهويها جنس أدبي دون آخر ، وحسب تقديري الإبداع القوي يفرض نفسه ومهما طال الزمن يتبوأ المكانة التي يستحق ومهما اختلفت التسميات يظل السرد يستقطب المتلقي وكل يسميه حسب ميولاته واتجاهاته

س 7 ) لكل شاعر مدينته التي يتغنى بها…فما هي ملهمتكم في الابداع…القنيطرة او سوق اربعاء الغرب؟
ج ) المكان لانسكنه فحسب بل يسكننا ونساكنه ، فهاك أماكن الدهشة وأماكن الكشف وأماكن عابرة ، قضيت ماتسر من الزمن في الرباط والبيضاء وخريبكة ، ولي مع مسقط الرأس سوق أربعاء الغرب حكايات تروى وذكريات نوسلجية لذيذة ، أما القنيطرة فضيت فيها أطول مدة ممكنة وأنا مشدودة للمكانين فهما جغرافيا مكان يكاد أن يكون واحدا سهل الغرب الرحيب ، وحبل السرة لا يقطع معهما أبدا! فسوق الأربعاء الغرب أمي والقنيطرة حبيبتي

! فسوق الأربعاء الغرب أمي والقنيطرة حبيبتي
س 8) هل جربت كتابة اليوميات يوما؟
ج) بدأت تماريين الكتابة عندي بدفتر اليوميات الذي لاأزال أحتفظ به للآن ، فكتابة اليوميات أمر أساسي لكل إنسان ولاسيما من أدركته حرفة الأدب ، فالكتابة المنتظمة تطويع لأحراش الكتابة ، كما أنها وقفات تأملية في دفتر الأحوال اليومية ، ولقد استلهمت الفكرة في المرحلة الإبتدائية ونحن ندرس نصا معينا يتحدث عن اليوميات ومن يومها قعدت في سلوكي عادة تدبيج اليوميات ، والحلم بأن أصبح كاتبا يسكنني منذ طفولتي رغم أنه كان مثار سخرية من من كانوا غير مقتنعين بموهبتي ، ومن شيمي الإصرار والحكمة الشكسبيرية الحياة صراع

س9 ) هل لغة الضاد بخير؟ خاصة وأن هناك جهات تحاربها آخذة العامية مطية لذلك، ومدعية أن التعبير بالعامية أكثر جمالية من التعبير بالفصحى؟
ج ) من يعمل على تحطيم لغة الضاد بمعاول الهدم من خدمات الأجندات الصهيونية ، يطبلون في الماء ولا يصلون إلى أهدافهم المغرضة ، فلغة الضاد لغة حملت عبر قرون الفكر والثقافة والفن وجسرت علاقات بين أمم وشعوب ، فلن تحل محلها الدراجة أو الدوارج وإنما هذا نوع من الضرب تحت الحزام الذي تتعرض له اللغة العربية ، فهم يريدون إطفاء نور الله ويأبى الله إلا أن يتم نوره . فالدعوة إلى توظيف الدارجة دعوة تقويضية في الأساس

س 10 ) هل لديك طقوس خاصة اثناء الكتابة؟
ج) في الواقع ليست لدي طقوس خاصة لحظة الكتابة ، أكتب وسط الصداع والضجيج وفي الهدوء المطلق ، ربما كأس قهوة سادة وكأس ماء ، إذا كنت في المقاهي أتجنب ما أمكن المدخنين لأني أصلا لا أدخن وتزعجني رائحة التبغ . أحب الكتابة في فترة الصباح وأسود كثيرا وأغربل وأنقح وفي الغالب وقت التنقيح والمراجعة أطول بكثير من الكتابة في حد ذاتها ، أنشر على فترات متباعدة وأمج الظهور المجاني ، فالإبداع عرق وبحث ومسِؤولية والمبدع يرمي شبكته ومرة تفور وتارة تغور ، والمتعة في الإصرار والصمود ، فأنا ناقد نفسي أراجع النص بعد يوم أو يومين ، فإذا لم يرق إلى المنشود أعدمه في الحين ، أراهن على التجويد وعدم السقوط في التكرار واقتحام أراض الإبداع البكر

س 11 ) ما هي الرسالة التي تسعى إلى إيصالها من خلال كتاباتك؟ ج) أتمنى أن يمتعني الله بتمام الصحة والعافية حتى أنجز برامجي الإبداعية ، وأتطلع بأن تتحقق نهضة عربية رغم كل الجراحات والأعطاب ، والمساعي لقص أجنحة الطائر العربي حتى لا يبرح مكانه ، وفي انتظار أن تسوى الملفات الشائكة ، ليعمل الفنانون والنبدعون في شتى أصناف الأبداع بأن يمهدوا لفجر عربي حديد فما يفسده الساسة يصلحه المثقفون بنظرتهم الثاقبة للمستقبل وللحلم العربي الكبير حتي يكون ربيعه ربيعا حقيقا لا محض سراب .

س12) هل للملتقيات والصالونات الادبية دورا في نشر وتطوير أي عمل ابداعي كيفما كان نوعه؟
ج) تلعب الصالونات والملتقيات الثقافية الفكرية والأدبية دورا هاما في التواصل وتبادل الخبرات بين المبدعين والمبدعات ، على أساس أن لايهمن على هذه اللقاءات الشللة والمجاملات بدون أن تكون ذات مردودية ، وإن كنت أفضل في هذا الصدد تنظيم الورشات بأجندة معينة وكل مبدع يركز عل شاغل أو مشرو ع عند نهاية كل ورشة ويمكن أن تستغرق وقتا مدة سنة مثلا وكلما قل العدد ووضحت استراتيجية العمل والمقصد يكون ذلك أحسن ، اما الملتقيات والمهرجانات فيغلب عليها في الغالب الطابع الإحتفالي والسطحي والعابر

س 13) هل هناك وصفة خاصة لكتابة القصة القصيرة مبدعنا ؟
ج) أقول دائما ليس هناك وصفة لكتابة القصة ، وإن كنت أرجح إدمان قراءة النصوص سواء الرديئة أو الجيدة وننصت دوما بعمق لنبض النص وخلجاته الباطنية ، فالنصوص حياة متدفقة تبدأ عند ملامستها والشروع في القراءة ، أكيد لا بد من القراءة ثم القراءة فالقراءة . ويمكن بعد ذلك الا ستفادة من المقاربات النقدية سواء المحكمة بمنهجية علمية محكمة أو قراءةات عاشقة للنصوص . فالكاتب أولا وقيل كل شيء من المفروض أن يكون قارءا جيدا ، ويفتح إلى جانب كتابته ورشة يطور من خلالها تجربته ويرسخ ممارسته علميا ومعرفيا بالجنس الذي يشتغل عليه ، ولا ينام ويطمئن لمعارفه المحدودة وربما المتقادمة والمتجاوزة ، فالإبداع معرفة أو بالأحرى محارة دائمة مع هذه المعرفة فالحياة تتغير والتجارب تتراكم , وعلى الكاتب القاص أن يواكب ويطالع في شتى الحقول ليغذي مساره الإبداعي ..