صدفة حب.. من مهرجان مكناس للدراما التلفزية (لي باغي سيدي علي يَبْغيه بقلالشو) ‘محسن الأكرمين’

كانت تجلس منهكة في زاوية منغلقة. كانت تلهو بعينيها وهي تحمل سيجارة إليكترونية لا تدخنها. هي متعبة الذهنية ولا تريد أن تفكر بزيادة الإرهاق، والضغط على نفسيتها المتدنية. كانت تتوسط جلوسا قاعة افتتاح المهرجان مكناس للدراما التلفزية، عيونها تحملق الرؤى بمن حضر من الممثلين، وبمن تغيب عن الدعوة. لم يكن يثيرها مشعات إنارة الكاميرات الخاطفة لصور الحدث، بل كانت تتأمل المدينة من خلال مسار مهرجان بقي واقفا منتصبا، وهو يكافح ضد المجهول.

في تلك النقطة غير المحتكة بمن يمر ذهابا وإيابا في ممرات القاعة المضيئة، وبداية السجاد الأحمر. كانت تحلم بأن كل الأضواء تغطيها وتقتحم أحلامها النامية، كانت ترى في لسانها طلاقة أجوبة على أسئلة الصحافيين أمام كاميراتهم. في ذاك الكرسي الفارغ بالمحاذاة منها ألقى نفسه المتهالكة والمتعبة، وهو يزفر نفسا عميقا. حين لامس ندية تماثل الأجسام، شعر بدفء ينال منه بالاحتكاك. بدت رغبة الكشف عمن يجاوره بحب المغامرة. كان العطر النقي يَأتيه في جلسته المريحة، حينها استعاد عافيته، بزيادة الشهيق.

حين مرر وجهه يمينا، سقط في عيونها بنظرة تناظر. ابتسم دون يردد أية كلمة، رأى من ملمح جمالها الفياض عشق زرقة السماء في عيونها. تذكر تفاحة آدم الطرية التي أخرجته الجنة، حين هام في حواء حبا بلا بدايات. في الابتسامة المستطيلة، لعبت العيون الراقدة لعبتها بالحوار الصامت. كان صوت مقدمة المهرجان المليحة تمتلك مسامع القاعة بداية، كانت مجموعة من التصفيقات بالتكرار تزيد، وتحرك من حجم الاهتمام بجوار الارتفاق، وبلا مواعدة سابقة.

بين الأضواء النيرة والملونة، كانت القاعة تشع بدفء الفنانين والفنانات، كانت الابتسامات متبادلة في عرس افتتاح مهرجان مكناس للدراما التلفزية. ومجيدة الفاتنة تزيد من حماس حصد ذكريات الدورات الماضية للمهرجان بالتصفيقات. في أناقته المعهودة وكلماته الدلالية، رحب وألقى مؤسس المهرجان شكره الموصول لكل من حضر، ولكل من تغيب بعذر. في كلماته ذات الأسهم الصاعدة، اعتبر مدير المهرجان المهرجان في دورته (11) تحد مزدوج الطموح والتطوير.

تنال الدقة الحمدوشية من القاعة أخذا، ومتابعة. تُحَرك الطُبول المتناغمة كل الدواخل المسكونة بهواجس الجذبة. هي ترقص بيدها اليمنى رقصة حسانية على موسيقى حمدوشية. علم أنها من أهل الوفاء للرمال الصفراء. علم أنها قد كسرت جليد العيون الملتصقة بالخوف. كانت تنظر لمن أثث المنصة من الوجوه الفنية والثقافية باحتفالية مندمجة، وهي تُشْعلُ بدايات التصفيق لمن حضر القاعة. حينها سألته ” توحشنا الأضواء، توحشنا الفن والفنانين، توحشنا شوية ديال الحركية والسينما…” تبسم بقسط تقسيمات الكلمات المتتالية، وأشار برأسه بتمام تزكية الملاحظة.

كانت الحفل ماضيا بالأضواء والتكريمات الدالة على ثقافة الاعتراف. كانت المدينة تمسح بعضا من مشاكلها الخارجية، وقسطا من أزمة الأنفس الداخلية، ولو بالفرجة والترويح. كان فوق خشبة ركح الفقيه المنوني السياسي في منصة الخطابة، يبحث عن الفرجة والفن والثقافة. كان يفتش على مستوى ورقة نصه المكتوب عن صناعة تصفيقات، لكن القاعة سادها الصمت لحظتها، سادتها مقولة حكمة”الصمت أصدق أنباء من التصفيق المؤلم”.

حين نزل السياسي إلى الصفوف الأمامية، وهو غير منشرح من عرضه. كانت تقتحم خلوته، من جلس بجانبها، وتسأله عن تنمية مكناس إلى أين؟ حينها تقابلت الكلمات غير المصففة، ولا المنمقة، وأعلنت أن المدينة تدار مثل الفرقة الحمدوشية، أين ما حلت وارتحلت (إلا ومَجامر التبخيرة تابعها) و(لي باغي سيدي علي يَبْغيه بقلالشو).

في نهاية اليوم الثاني، خرج من حضر القاعة منشرحين نحو تحلق فني مع بعض فنانين وفنانات محبي المهرجان. خرجا يدا في يد، وهي تراقص قطرات مطرية من صيف حار بمكناس. كانت ترى أن الفن قد يصنع حب المستحيلات، والتنمية التصالحية مع المدينة. في منتهى منصة الدخول والخروج نالت أولى صورة معه، اسمي ليلى، وكان رده اسمي أيمن، كانت هذه كانت نهاية الفلم التلفزي الذي تابعته ضمن فعاليات مهرجان مكناس للدراما التلفزية في دورته (11).