الرئيسية / المغرب / بعد خرجة بنكيران: “البيجيدي” أمام خيارين (مقالة رأي)

بعد خرجة بنكيران: “البيجيدي” أمام خيارين (مقالة رأي)

بقلم : عبد الصمد إيشن

ما على الجميع أن يفهمه بدقة، كخلاصة لكل ما عبّر عليه الأستاذ عبد الإله بنكيران في “لايفه”، هو أن حزب العدالة والتنمية بعدم “رفضه” للقانون الإطار (الذي يعني بلا مراوغات، ولا طوطولوجيا، “فرنسة التعليم المغربي”، تحت مسميات “التناوب اللغوي” و”الازدواجية اللغوية”، و”التفكير في مستقبل المتعلمين المغاربة”)، أنه بذلك، قد خَان التعاقد التاريخي بينه وبين شعبه أولا، وبين قواعده ومناضليه ثانيا.

وأن الرسالة السياسية الواضحة التي أراد الأستاذ عبد الإله بنكيران تبليغها، هي أن الحزب في لحظة التصويت على القانون داخل لجنة الثقافة والاتصال بمجلس النواب، كان عليه، أن يثبت على التصويت بالرفض، وإذا ما مورست عليه ضغوطات للتصويت على تمرير القانون، سيكون آنذاك أمامه خيار التصويت “بالرفض” بكل شجاعة. وفي حالة تشنج الأوضاع أكثر، ومع ازدياد الضغط عليه، سيصبح من الواجب عليه “الانسحاب من الحكومة”.

إن الموقف السياسي الشجاع للعدالة والتنمية، في “انسحابه من الحكومة المَحكُومَة”، هو الذي سيعطي للحزب قوة أكثر، للخروج أيضا بقرار “حَل فريقه داخل قبة البرلمان”، وهذا كله لن يكون إلا فاتحة خير، وحلاً للتناقض والأزمة، التي تعيشها الدولة، والحزب معا.

أما الذين يتحدثون عن حزب العدالة والتنمية “كبيضة” يجب أن تُحفظ، وتُتَلَقف بأيادي ناعمة، لكي لا تنكسر، ولو كلفنا ذلك أن ندوس على المبادئ التأسيسية بالأقدام، فهؤلاء لا يجب أن يستغفلونا بغيرتهم المتصنعة على الحزب، بل يجب أن يفهموا أن عورتهم قد تعرت بكل وضوح أمام الجميع، فهم بغيرتهم على الحزب، لا يقصدون إلاّ غيرتهم على تعويضاتهم في مناصبهم التي مكّنهم منها الحزب، وعلى أجورهم في مسؤولياتهم التي أمطرها عليهم أيضا.

وحدة الحزب إخواني المناضلين، لا تتحقق بخيانة الحزب لشعبه، تتحقق بالجدارة والاستحقاق، في التخلي عن كل المناصب إذا فرض الواقع ذلك، والرجوع لأحضان الشعب والمناضلين. وأما الذين صدّعوا آذاننا، بأن الحزب ملتزم مع الأغلبية الحكومية. هل تقصدون بالالتزام، الالتزام على أرضية خيانة مستقبل شعب بأكمله. الالتزام بفرنسة تعليمنا عوض تعريبه وإرجاعه إلى ناصية الطريق، أم الالتزام مع فرنسا، حتى تحقق “لحظة شبقها السياسي” بفرنسة التعليم، والاقتصاد والإدارة، وبالتالي فرنسة الثروة، كأننا بصدد عام الحماية (1912).

ويا للصدف، خرج بنكيران في شاشته، والريسوني في حواره، واتفقوا ضمنيا (وهل بعدهم اتفاق، وهل بعد اتفاق المؤسسين الحقيقيين اتفاق)، بأن الحزب في “أزمة”، بل “كارثة” بعد أن لاحظنا سلوكه في التصويت على تمرير القانون الإطار، وأنه بذلك شارك في عملية “خيانة كاملة الأركان” للشعب المغربي. وأن الحزب عليه اليوم إذا سُووِم بالفرنسة أو الخروج من الحكومة، فإن الانسحاب من الحكومة هي عين الصواب، وعين رضا الشعب والذاكرة (ذاكرة النضالات العتيدة التي قادها أباؤنا في إدارة الدولة والمجتمع لتعريب التعليم وضمان ثرواتنا واستقلالنا)، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فلقد أشار العالم المقاصدي، بأن المسار الطبيعي اليوم للحزب لكي لا ينقسم، هو رجوع بنكيران لقيادته، وهذا ما برهنت عليه تجربة العثماني في تدبير كل القضايا التي طرحت على طاولتها.

لقد خرج الرجل “بصفر” نتائج في تدبير الحوار الداخلي داخل حزبه، الحوار الداخلي الذي كانت تعقد عليه كل الآمال لاسترجاع الهوية النضالية للحزب. و”بصفر آخر” لما خرجت أمانته العامة بقرار يلزم أعضاءها بتمرير القانون الإطار داخل لجنة الثقافة والاتصال. فماذا ينتظر الحزب بعد اليوم، بعد أن أعطى الفرصة للعثماني وفريقه، وأثبت أنه ليس بأمين ومؤتمن حقيقي، على مبادئ الحزب وتعاقده مع الشعب ومناضليه. باختصار، إن اللحظة تفرض رجوع “بنكيران”، بتعبير العالم المقاصدي أحمد الريسوني.

لقد تابعت مسار هذا الحزب العتيد، منذ أن كنت تلميذا وانتميت إلى شبيبته، وإلى اليوم لم تمر لحظة وأخلفت فيها موعدي مع هذا الحزب وشبيبته، سواء بـ “تقطاع الصباط” لما كان التزامي التنظيمي قائما داخله، أو بالمواقف والنقاش مع قياداته محليا ووطنيا. وإن هذه اللحظة بالضبط لَهِي أغلى لحظة في هذا المسار، لأقول فيها الحقيقة كاملة، لأن الحقيقة هي التاريخ، والحقيقة هي مستقبلنا ومستقبل شعبنا، بل ومستقبل البشرية جمعاء.الحقيقة كما عبرت عنها أعلاه، وكما جاءت على لسان القادة التاريخيين للحزب (بنكيران، والريسوني…) وكما جاءت على لسان مناضلين ومفكرين من خارج حزبنا (وهو قلة قليلة، تُعد على أقل من نصف أصابع يد واحدة، سيأتي تاريخ وتذكر أسماؤهم بكل مسؤولية).

الحقيقة التي لا هروب منها: إما أن “ينسحب الحزب من الحكومة”، وأن “يحل فريقه داخل البرلمان”، إذا لم يتم التراجع على “فرنسة التعليم”، التي تعبد الطريق لاستعمار ثقافي كامل يتبعه استعمار اقتصادي كامل، سيكبل نهضتنا لعقود من الزمن. وإما سيكون مصيره الانـقســام بين من يريد الحفاظ على تعاقد الحزب مع شعبه، وبين من يريد الانتصار لانسجام حكومي “متصنع”، وعافية تنظيمية “متصنعة كذلك”.

وقبل أن أختم، وأنا أتابع ردود الفعل، على كلمة الأستاذ عبد الإله بنكيران، لابد أن أعترض على عدة آراء تريد جرنا إلى هوامش النقاش الحقيقي، وأبرز هذه الآراء، تلك التي قالت بتناقض بنكيران، فهو الذي أقنع الفريق بالتصويت قهرا على اتفاقية “سيداو” واليوم يندد بإلزام أعضاء لجنة الثقافة والاتصال، من قبل الأمانة العامة بتمرير القانون الإطار.

سادَتي الأفاضل أي عقل سأخاطبه فيكم؟ هل هو العقل المُعبر والمُحَافظ على مواقعكم ومصالحكم؟ أم العقل الذي يبحث عن الحقيقة ويتبع خُطاها؟
فهل من المعقول أن نقارن بين لحظة اتفاقية “سيداو” كاتفاقية اعتبرها البعض خطرا على مبادئ الشريعة الإسلامية، لأنها ستلزم المغرب، تبني بنودها القاضية بالقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة، أي غدا أو بعد غد سنكون ملزمين بتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث. وهذه هي الخيانة لمبادئ حزبنا، إذن “بنكيران” أقنع آنذاك برلمانييه بأن يصوتوا على اتفاقية تخالف مبادئ الحزب ومرجعيته. هذا كله هراء في هراء. لأن هؤلاء لا يفهمون، بأن كل خطوة في الميدان الحقوقي، من قبيل تحقيق المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، لا يحققها فقط أن نصوت مع الاتفاقية أو أن نوقع عليها، فكل الناس يعرفون أن المنظمات والاتفاقيات الدولية، تأخذ دائما بعين الاعتبار، الخصوصيات الثقافية لكل بلد، وهذا ما يعني عمليا أن تحقيق خطوة من قبيل “المساواة في الإرث”، موكول للمجتمع وتدافعه، وأظن الحركة الإسلامية هي التي تعكس الصوت الغالب في المجتمع، والصوت الغالب هو الذي سيحدد تمريرها أم لا.

إذن باختصار، الأمر محلول، وهذه هي خلفية بنكيران التي يدركها بقوة لما حَظ على التصويت، لكي يتفادى من سيحرجه، بورقة الحزب هو المعرقل للتوافق دائما.

أما حالة “القانون الإطار”، فهي تختلف جملة وتفصيلا عن حالة “سيداو”، لأن تمرير القانون، يعني التزامنا جميعا بمقتضيات القانون الإطار أثناء صدور المراسيم والمنشورات، الشيء الذي يعني أننا ملزمون قانونا بتنفيذ مسار “فرنسة التعليم”.

ختاما، لقد راعيت في كتابة هذا المقال، الاقتضاب والاختصار، لكي لا أجد نفسي أكتب دراسة أو مقالا مطولا في الموضوع، وهو ما لا يصلح لهذه اللحظة التاريخية، فالصراع سياسي، وهذا الصراع يحسم الآن بالمناشير والمقالات والإشارات المقتضبة. ولكن هذه لا يعني أنني أفر من النقاش، فمن كان له أي اعتراض على نقطة واردة في المقال، من حقه أن يعلق علي لكي أستفيض فيها، من أجل إيضاح الصورة أكثر.